الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
348
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
ظهور العامّ في العموم الأفرادي ، فيقدّم الظهور في الأوّل على الثاني . الصورة الرابعة : عكس الثانية ، وهي أن يرد العامّ بعد الخاصّ غير مقارن له وقبل حضور وقت العمل بالخاصّ ، فحكمها حكم الصورة الثانية لنفس الدليل المذكور فيها ، وهو كون النسخ قبل العمل قبيحاً للمولى الحكيم . الصورة الخامسة : أن يكون العامّ بعد الخاصّ وغيرمقارن له وورد بعد حضور وقت العمل بالخاصّ ، فيدور الأمر فيها بين النسخ والتخصيص لجواز كلّ منهما عند الكلّ ، أمّا التخصيص فلعدم استلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وأمّا جواز النسخ فلكونه بعد حضور وقت العمل بالخاصّ ، والمشهور على ترجيح التخصيص على النسخ ، فيقدّم عليه وذلك لندرة النسخ وشيوع التخصيص كما مرّ . وأمّا القسم الثاني فتأتي فيه جميع الاحتمالات الخمسة المذكورة ، وبما أنّ الحكم كان في بعضها النسخ وهو الصورة الثالثة على مبنى القوم ، فيتردّد الأمر في هذا القسم بين النسخ والتخصيص على مبنى القوم ، ويصير الحكم مبهماً من ناحية الأصول اللفظيّة وحينئذٍ تصل النوبة إلى الأصول العمليّة . هذا كلّه بناءً على ما تسلّمه جمع من عدم جواز النسخ قبل العمل أوّلًا وعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة ثانياً ، مع أنّهما قابلان للمناقشة . أمّا المسألة الأولى : فلأنّه لا إشكال في جواز النسخ قبل العمل في الأوامر الامتحانيّة كما وقع في قضية ذبح إبراهيم ولده إسماعيل عليهما السلام ؛ حيث كان الأمر فيه امتحانيّاً يحصل بنفس التهيّؤ للعمل فإذا وقع التهيّؤ وحضر وقته يحصل المقصود من الامتحان ، وحينئذٍ يمكن النسخ ، ولا إشكال في جوازه . أمّا إذا كانت الأوامر غير امتحانيّة وكان الغرض فيها حصول نفس العمل في الخارج لا الامتحان ، فرفع الطلب ونسخ الحكم حينئذٍ وإن كان يوجب كون الحكم لغواً ، إلّاأنّه قد تكون المصلحة في نفس الإنشاء وذلك لوجود مصلحة في البين كالتقيّة ، وحينئذٍ يجوز جعل الحكم ونسخه كالأوامر الامتحانيّة .